الرئيسية / آراء وكتاب / دروس وعبر في ذكرى المولد النبوي الشريف

دروس وعبر في ذكرى المولد النبوي الشريف

هذا هو الإسلام
دروس وعبر في ذكرى المولد النبوي الشريف
الحياة نيوز- الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
غداً تحتفل الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بالمولد النبوي الشريف ، وتحيي هذه المناسبة كما في كل عام في الثاني عشر من شهر ربيع الأنور ، الشهر الذي ازداد نوراً بمولد نور الهدى سيدنا محمد المصطفى صلى الله عليه وسلم ، وازداد شرفاً بميلاد أشرف الخلق أجمعين ، فلم يكن هذا المولد كمولد أي إنسان عادي ، إنه مولد أمة بل مولد البشرية كلها ، فيه نستلهم كثيراً من الدروس والعبر ، لأن هذا الميلاد تبعته أحداث غيَّرت وجه التاريخ ، فلو لم يولد لما كانت هذه الأمة ، ولما كان لها حياة أو وجود في الدنيا والآخرة .
كان هذا المولد للأمة وللعرب على وجه الخصوص أعظم مِنْحة في مواجهة أصعب المِحَن التي كانت تكدّر حياتهم وعالمهم : فعلى قدر ما كانوا مستضعفين في جاهليتهم من الأمم الأقوى (الفرس والروم) ، وعلى قدر طوفان الطبقية الذي أغرقهم والقهر الذي كسر قلوب غالبيتهم ، وعلى قدر سوء الاقتصاد وسيطرة أصحاب المال على فقرائهم ، على قدر هذه المحن كانت المنحة الإلهية لهم بمولد محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه رسولاً فيهم ومنهم ، يعرفونه نسباً وحسباً وخلقاً وفضلاً ، قال تعالى { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ } آل عمران 164 ، فبدعوته وبسيرته وبتوجيهاته تبدلت حياتهم ، وتنسموا هواء الحرية والعزة والكرامة ، وحملوا مشاعل التغيير والنهوض بالبشرية كلها فأكرمهم الله بالسيادة والريادة فيها .
كان هذا المولد تحريراً للعرب والإنسانية كلها : فقد اختاره الله سبحانه وتعالى ليكون سبب فكاك رقابهم من العبودية وتحررهم من الرق والإذعان لغير الله ، وكان به خلاصهم من نير الاستعباد والظلم والظلمات ، فكان لهم المَوْئِلَ والمأوى والملاذ ، فانطلق بهم من ظلام الجاهلية والجهل إلى نور العلم والعقل ، وإلى ظلال العدل والإنصاف ورحاب الوحدة والألفة والمحبة بعد الفرقة والتنازع والاقتتال ، فقد شملته العناية الإلهية وأهَّلته لتبليغ الرسالة وأداء الأمانة ، فانتشلهم هذا المصطفى الرسول من الهوة الساحقة السحيقة التي سقطوا فيها فرفعهم إلى قمم التحضر ، ثم إنهم من بعده تقدموا بالبشرية وتقدموها وسادوها باتباع رسالته وشريعته ونهجه الوسطي بعيداً عن التزمّت والتكلف والتطرف ، قال تعالى { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ } آل عمران 110
أما حياة اليُتْمِ والفَقْد للوالدين والجد التي عاشها صلى الله عليه وسلم فقد كانت درساً للصَّحْبِ وللأمة من بعده ، فهذه المعاناة صقلت نفسه ونفسيته وشخصيته ، فزكت فيه جذوة الإشفاق والعطف على المساكين واليتامى والحزن لآلامهم ، كيف لا وهو الرحمة المهداة من الله والنعمة المسداة ، قال تعالى فيه { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ } الأنبياء 107 ، وقال هو صلى الله عليه وسلم داعياً { اللهم أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين } رواه الترمذي ، فالتربية الربانية التي تلقاها صنعت منه رجلاً صلباً وقائداً فذّاً أهلاً للمسؤولية متمسكاً بالرسالة راسخ الإيمان ثابتاً في مواجهة المصائب والمصاعب ، فكان النبراس الذي يضيء الطريق ويكشف معالمها للأمة كلها من بعده ، وكان المثل الأعلى لها ، فانعكست هذه الميزات في شخصيات أبنائها وقادتها الذين تأسَّوْا به وبسيرته الطاهرة .
وإنه لدرس ثمين أن تتمثل الأمة أخلاق نبيها محمد صلى الله عليه وسلم : فمن يبحث في أخلاقه يجد نفسه أمام أعظم عظماء الإنسانية ، فقد وصفه ربنا عز وجل بقوله { وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ } القلم 4 ، فهل عرفت الإنسانية كمحمد صلى الله عليه وسلم في الخلق ؟ إنه الذي أحسنَ وما أساء ، ووصلَ وما قطع ، وأعطى وما حرم ، وعفا وما ظلم ، وخالق الناس بخلقه الحسن كل حياته حتى أتاه اليقين ، هكذا كان قبل الرسالة وبعدها ، في شبابه وفي مشيبه ، مع الصديق ومع العدو ، كانت أخلاقه أوسع من كل الحدود والقيود ، علم الخلائق كيف تكون الأخلاق ، فالأخلاق جزء مهم جداً من الشريعة والدين ، قال صلى الله عليه وسلم { بعثتُ لأتمم صالح الأخلاق } رواه أحمد ، وقال أيضاً { ليس المؤمن بالطَّعَّان ولا اللَّعَّان ولا الفاحش ولا البذيء } رواه الترمذي ، فخير الأخلاق أخلاقه وأفضل الأعراف أعرافه لأنها ربانية المصدر .
وتأتي أهمية الأخلاق في الإسلام أنها أبرز ما يراه الناسُ ويدركونه من أعمال المسلم ، فالناس لا يرون عقيدته لأن محلَّها القلبُ ، وهم لا يرون كلَّ عباداته ولكنهم يرَوْن أخلاقه وسلوكه معهم ، ويتعاملون معه من خلالها ، فالخلق هو السَّجيَّة والطَّبع ، وهو صورة الإنسان الباطنية ، وبالنتيجة فهو هيئة راسخة في داخل النفس الإنسانية وفطرة تصدُرُ عنها الأفعالُ بتلقائية وسهولةٍ ويُسرٍ من غير حاجة إلى فكرٍ ولا رويَّة ، ، وهو عبادةً يؤجر عليها المسلم ، وهو أساس الخيريَّة والتفاضل يوم القيامة ، قال صلى الله عليه وسلم { إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً ، وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون ، قالوا يا رسول الله قد علمنا الثرثارين والمتشدقين فما المتفيهقون ؟ قال المتكبرون } رواه الترمذي ، ولْنعلمْ أن الأخلاق هي المؤشِّر على استمرار أمَّة أو انهيارها ؛ فالأمة التي تنهار أخلاقُها يوشك أن ينهارَ كيانُها .
وكانت البعثة النبوية درساً للأمة ، فالله جل وعلا بعث نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم للعالمين برسالة التوحيد ، وأوجب على الناس الإيمان به واتباعه ، وهذه عبرة قَيِّمة من عبر ميلاده صلى الله عليه وسلم ، فقد جاءه الوحي بها وهو في غار حراء يتعبد ويتفكر ويتأمل ، يرى تعاقب الليل والنهار ، وحركات الشمس والقمر النجوم ، ويراقب تنفس الصبح وبدء حركة الأحياء من جديد بعد ذهاب الليل واستيقاظ النائمين ، فكانت اللحظة التي تشرَّف فيها بالرسالة والنبوة التي ابتدأت بقوله تعالى { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } العلق 1-5 ، ثم جاءه التكليف بالتبليغ ، قال تعالى { وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ } الشعراء 214 .
ومن الحبيب محمد تتعلم الأمة بأجيالها المتلاحقة درس الثبات على المبدأ مهما عظمت التضحية ، فقد جاء التكليف له صلى الله عليه وسلم بالرسالة بعد التشريف بالنبوة ، قال تعالى { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ } الحجر 94 ، فانتقلت الدعوة من السرية إلى الجهرية ، فكانت دعوته إلى التوحيد تحدياً قوياً وسافراً لقوم يعددون الآلهة ويعبدونها من دون الله ، فواجه منهم حرباً ضارية ومؤامرات غادرة ، وألَّبوا عليه القبائل وناله منهم ضرر بالغ كمن سبقه من إخوانه الأنبياء من الرسل فكان من أولي العزم ، قال تعالى { فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ } الأحقاف 35 ، لكنه صلى الله عليه وسلم لا يتراجع ولا ينثني حتى أظهره الله وطوى صفحة الشرك والمشركين ، فعل ذلك قومه به وهو ابنهم ومن جلدتهم فأين العروبة والقومية التي يتبجحون بها ؟
إن ذكرى المولد النبوي الشريف موسم سنوي متجدد ، ومحطة نقف عندها لنستحضر هذه المعاني وغيرها ، فإن لنا في مسيرة حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي سيرته المطهرة أسوة حسنة ومرجعية أساسية ، ولنا فيها فوائد وعبر جليلة وكثيرة لا تعد ولا تحصى علينا أن نتدبرها ونستفيد منها ، فهي بإذن الله ستعيننا على تجاوز نكباتنا ونكساتنا وانكساراتنا وإخفاقاتنا ، فسنجد فيها الحلول لمشاكلنا وأزماتنا ، فحريٌ بنا جميعاً أن نقتفي أثر نبينا ونتأسى بأقواله وأفعاله وعزمه وجهاده وأخلاقه ، وعلى كل فرد أو جماعة منا ـ وبالأخص المربين من الآباء والمعلمين ـ أن ينشروا عطر السيرة النبوية بالقول والفعل والتعامل والسلوك أينما حلوا ، فهم بذلك سيكونون خير رسلٍ وخير سفراء لها

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بالصور … الرزاز يزور القيادة العامة

الحياة نيوز – زار رئيس الوزراء وزير الدفاع الدكتور عمر الرزاز صباح اليوم الأحد القيادة العامة للقوات المسلحة ...

أمير قطر: رفع الحصار أساس حل الأزمة الخليجية

الحياة نيوز – جدد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، تأكيده على أن موقف الدوحة ...

ظاهرة الانتحار

احمد البخيت مدير محكمة جنوب عمان الابتدائية الحياة نيوز – الانتحار ظاهرة اجتماعية عامة لا يخلو أي مجتمع ...

مكافأة بالآلاف لمن يعثر على شيكات مسروقة بالوحدات

الحياة نيوز- عرض مالك معرض سيارات في منطقة الوحدات بالعاصمة عمّان، مكافأة بالآلاف، لمن يعثر على شيكات وكمبيالات ...

ضبط مطلق النار على الامن بـ عين الباشا

الحياة نيوز- القاء القبض على الشخص المطلوب الذي اطلق النار باتجاه قوة امنية امس وأصاب ضابطي صف من ...

عاجل / شج رأس معلم وإصابة ٤ آخرين باعتداء على مدرسة الكتيفة في الموقر

الحياة نيوز- أصيب خمسة معلمين، الأربعاء، في مدرسة الكتيفة الثانوية للبنين، إثر اعتداء من قبل أربعة أشخاص. وقد ...

ذبح زوجته واعترف : «صحيت على صوتها »

الحياة نيوز – كشفت اعترافات زوج مصري ذبح زوجته، عن مفاجآت صادمة في الجريمة التي هزت منطقة المرج ...

جماعة عمان لحورات المستقبل تناقش دور المثقف في نهضة المجتمع

الحياة نيوز- ضمن سلسلة نشاطاتها الفكرية استضافت جماعة عمان لحوارات المستقبل المفكر العربي معالي الاستاذ الدكتور محمد احمد ...

خبر عاجل