الرئيسية / آراء وكتاب / هذا هو الإسلام .. أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بجمع وقصر الصلاة

هذا هو الإسلام .. أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بجمع وقصر الصلاة

الشيخ الدكتور تيسير رجب التميمي/ قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً أمين سر الهيئة الإسلامية العليا بالقدس
الحلقة الثالثة : قصر الصلاة
ويعني جعل الصَّلاَة الرُّبَاعِيَّة رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَرِ سَوَاءٌ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ وفِي حَالَةِ الأْمْنِ ، وَشُرِعَ الْقَصْرُ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ ، وَأجمعت الأمة على مَشْرُوعِيَّته لثبوته بِالقرآن الكريم وَالسُّنَّةِ النبوية :
* أَمَّا بالقرآن الكريم فَقد قال الله سبحانه وتعالى { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } النساء 101 ، فَالآْيَةُ الْكَرِيمَةُ تدلّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْقَصْرِ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ ،
* وَأَمَّا بالسُّنَّةُ النبوية فقد قال يَعْلَى بْن أُمَيَّةَ { قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا … فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ ، قَال عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَال “صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ” } رواه مسلم .
* وَقَال ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما { صَحِبْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ لاَ يَزِيدُ فِي السَّفَرِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ ، وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ كَذَلِكَ } رواه البخاري . فدَلَّ هذان الحَدِيثان عَلَى مَشْرُوعِيَّة قصر الصلاة فِي حَالَتَيِ الْخَوْفِ وَالأْمْنِ .
اختلف الفقهاء في حُكْم قصر الصلاة :
قذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنبلية إِلَى أَنَّ الْقَصْرَ جَائِزٌ تَخْفِيفاً عَلَى الْمُسَافِر لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ مَشَقَّةِ السَّفَرِ غَالِباً ، وَاسْتَدَلُّوا على مذهبهم بما يلي :
* بقوله تعالى في الآية السابقة { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأْرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا } فَقَدْ عَلَّقَ سبحانه الْقَصْرَ عَلَى الْخَوْفِ ، وَنَفْيُ الْجُنَاحِ فِي الآيَةِ يَدُل عَلَى جَوَازِ الْقَصْرِ لاَ عَلَى وُجُوبِهِ .
* وبقوله صلى الله عليه وسلم السابق { … صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فاقبلوا صدقته } .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ القصر فرض على الْمُسَافِرِ في الصلوات ذَوَاتِ الأْرْبَعِ ركعات ، وأنه لَيْسَ له أَنْ يُتِمَّ الصَّلاَةَ أَرْبَعاً ، واستدلوا على مذهبهم بما يلي :
* بقَوْل أم المؤمنين عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا { فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ وَزِيدَ فِي صَلاَةِ الْحَضَرِ} رواه البخاري . وَلاَ يُعْلَمُ ذَلِكَ إِلاَّ تَوْقِيفاً ، أي يتوقف فيه على ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم .
* وبقَوْل ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا { إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَل فَرَضَ الصَّلاَةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ وَعَلَى الْمُقِيمِ أَرْبَعاً ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً } رواه مسلم .
بينما ذهب الْمَالِكِيَّة في الراجح عندهم إلى أَنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ ، واستدلوا بأنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَتَمَّ الصَّلاَةَ ، بَل الْمَنْقُول عَنْهُ الْقَصْرُ فِي كُل أَسْفَارِهِ ، وهذا معنى السُنَّة المُؤَكَّدَة .
واختلف الفقهاء هَل الأْصْل الْقَصْرُ أم الإْتْمَامُ على عدة مذاهب :
فذهب الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنبلية إلى إِنَّ الأصْل هُوَ الإتْمَامُ وَأَنَّ الْقَصْرَ رُخْصَةٌ ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ { صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فاقبلوا صدقته }
إِلاَّ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقَصْرَ أَفْضَل مِنَ الإتْمَامِ إِذَا بَلَغَ السَّفَرُ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ اقْتِدَاءً بِرَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَخُرُوجًا مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ كَأَبِي حَنِيفَةَ ، إِلاَّ الْمَلاَّحَ الَّذِي يُسَافِرُ فِي الْبَحْرِ بِأَهْلِهِ وَمَنْ لاَ يَزَال مُسَافِراً بِلاَ وَطَنٍ ، فَالإتْمَامُ لَهُمَا أَفْضَل خُرُوجاً مِنْ خِلاَفِ مَنْ أَوْجَبَهُ عَلَيْهِمَا كَالإمَامِ أَحْمَدَ ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَبْلُغِ السَّفَرُ مسيرة ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ فَالإْتْمَامُ أَفْضَل لأِنَّهُ الأْصْل .
وَذهب الْحَنبلية إلى ان الْقَصْر أَفْضَل مِنَ الإتْمَامِ نَصا لِمُدَاوَمَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْخُلَفَاءِ عَلَيْهِ . لَكِنْ إِنْ أَتَمَّ مَنْ يُبَاحُ لَهُ الْقَصْرُ لَمْ يُكْرَهْ له ذلك .
وذهب الْحَنَفِيَّةِ إلى أن الْقَصْر هُوَ الأْصْل فِي الصَّلاَةِ ، فالصَّلاَةُ فِي الأصْل فُرِضَتْ رَكْعَتَيْنِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ جَمِيعاً ، ثُمَّ زِيدَتْ رَكْعَتَانِ فِي حَقِّ الْمُقِيمِ وَأُقِرَّتِ الرَّكْعَتَانِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ كَمَا كَانَتَا فِي الأصْل ، فَالرَّكْعَتَانِ مِنْ ذَوَاتِ الصلوات الأرْبَعِ فِي حَقِّ الْمُسَافِرِ لَيْسَتَا قَصْراً حَقِيقَةً بَل هُماَ تَمَامُ فَرْضِ الْمُسَافِرِ ، وَالإكْمَال لَيْسَ رُخْصَةً فِي حَقِّهِ بَل هُوَ إِسَاءَةٌ وَمُخَالَفَةٌ لِلسُّنَّةِ النبوية .
إذن فالْقَصْرُ عندهم عَزِيمَةٌ لِقول عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ { مَا سَافَرَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ إِلاَّ الْمَغْرِبَ } رواه الترمذي ، وَلَوْ كَانَ الْقَصْرُ رُخْصَةً وَالإكْمَال عَزِيمَة لَمَا تَرَكَه إِلاَّ أَحْيَاناً لأن الْعَزِيمَةُ أَفْضَل ،
وَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لاَ يَخْتَارُ مِنَ الأعْمَال إِلاَّ أَفْضَلَهَا ، وَكَانَ لاَ يَتْرُكُ الأفْضَل إِلاَّ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ تَعْلِيماً لِلرُّخْصَةِ بحَقِّ الأمَّةِ ، وَورد في فتح مكة أن النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قصر الصلاة وَقَال لأِهْلها { أَتِمُّوا صَلاَتَكُمْ فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ (أي مسافرون) } رواه أبو داود ، فَلَوْ جَازَ الأرْبَعُ لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى رَكْعَتَيْنِ .
ويَبْدَأُ الْقَصْر إِذَا فَارَقَ المسافر بُيُوتَ البلد فَحِينَئِذٍ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ، قال أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ { صَلَّيْتُ الظُّهْرَ مَعَ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعاً وَصَلَّيْتُ مَعَهُ الْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ } رواه البخاري ، وَلما خرج عَلِيّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنَ الْبَصْرَةِ يُرِيدُ الْكُوفَةَ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعاً ثُمَّ نَظَرَ إِلَى خُصٍّ أَمَامَهُ وَقَال [ لَوْ جَاوَزْنَا هَذَا الْخُصَّ صَلَّيْنَا رَكْعَتَيْنِ ] والخص هو بيت من القش أو القصب .
وَالْمُعْتَبَرُ مُفَارَقَةُ الْبُيُوتِ مِنَ الْجَانِبِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْجَوَانِبِ بُيُوتٌ . وَيَدْخُل فِي بُيُوتِ الْمِصْرِ الْمَبَانِي الْمُحِيطَةُ بِهِ ، فالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْصُرْ فِي سَفَرِهِ إِلاَّ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنَ الْمَدِينَةِ المنورة .
وَالْقَرْيَتَانِ الْمُتَدَانِيَتَانِ الْمُتَّصِل بِنَاءُ إِحْدَاهُمَا بِالأخْرَى أَوِ الَّتِي يَرْتَفِقُ أَهْل إِحْدَاهُمَا بِالأخْرَى فَهُمَا كَالْقَرْيَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَإِلاَّ فَلِكُل قَرْيَةٍ حُكْمُ نَفْسِهَا يَقْصُرُ إِذَا جَاوَزَ بُيُوتَهَا وَالأبْنِيَةَ الَّتِي فِي طَرَفِهَا .
وَسَاكِنُ الْخِيَامِ يَقْصُرُ إِذَا فَارَقَ خِيَامَ قَوْمِهِ وَمَرَافِقَهَا كَمَلْعَبِ الصِّبْيَانِ وَالْبَسَاتِينِ الْمَسْكُونَةِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْبَلَدِ وَلَوْ حُكْمًا ، فلاَ يَقْصُرُ إِلاَّ إِذَا فَارَقَهَا إِنْ سَافَرَ مِنْ نَاحِيَتِهَا ، أَوْ إذا سافر مِنْ غَيْرِ نَاحِيَتِهَا وَكَانَ مُحَاذِيًا لَهَا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ .
وَيَقْصُرُ سُكَّانُ الْقُصُورِ وَالْبَسَاتِينِ وَأَهْل الْعِزَبِ إِذَا فَارَقُوا مَا نُسِبُوا إِلَيْهِ بِمَا يُعَدُّ مُفَارَقَةً عُرْفًا .
وَالْبَلْدَةُ الَّتِي لَهَا سُوَرٌ لاَ يَقْصُرُ إِلاَّ إِذَا جَاوَزَهُ وَإِنْ تَعَدَّدَ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ .
وَقَال الشافعية أَيْضاً : يُعْتَبَرُ مُجَاوَزَةُ عَرْضِ الْوَادِي إِنْ سَافَرَ فِي عَرْضِهِ ، وَالْهُبُوطُ إِنْ كَانَ فِي رَبْوَةٍ ، وَالصُّعُودُ إِنْ كَانَ فِي وَهْدَةٍ ، والوهدة هي المكان المنخفض وجمعها وِهاد . وَيُعْتَبَرُ فِي سَفَرِ الْبَحْرِ الْمُتَّصِل سَاحِلُهُ بِالْبَلَدِ جَرْيُ السَّفِينَةِ أَوِ الزَّوْرَقِ فَيَقْصُرُ بِمُجَرَّدِ تَحَرُّكِهَا ، أَمَّا إِذَا كَانَ الْبَحْرُ بَعِيدًا عَنِ الْمَدِينَةِ فَالْعِبْرَةُ بِمُجَاوَزَةِ سُوَرِ الْمَدِينَةِ .
والصَّلَوَاتُ التِي تُقْصَرُ هِيَ الصَّلاَةُ الرُّبَاعِيَّةُ وَهِيَ : الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْعِشَاءُ إِجْمَاعاً ، فلاَ قَصْرَ فِي الْفَجْرِ وَالْمَغْرِبِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا { فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، إلا المغرب فرضت ثلاثاً لأنها وتر ، وقالت : كان رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سافر صلى الصلاة الأولى إلا المغرب ، وإذا أقام زاد مع كل ركعتين ركعتين إلا المغرب فإنها وتر ، والصبح لأنه يُطوّل فيها القراءة } رواه أحمد .
وَمِقْدَارُ الْقَصْرِ أَنْ تَصِيرَ الصلاة الرُّبَاعِيَّةُ رَكْعَتَيْنِ لاَ غَيْرُ .
ويرى الحنفية أن القصر في الفرائض فقط فلاَ قَصْرَ فِي صلوات السُّنَنِ عِنْدَهم ، بينما يرى الشافعية أن الصلاة المنذورة فقط هي التي لا قصر فيها فيصح عندهم قصر السنن أيضاً .

خبر عاجل