الرئيسية / آراء وكتاب / من وحي مقالة الملك..إطلاق عنان الإعلام الرسمي

من وحي مقالة الملك..إطلاق عنان الإعلام الرسمي

إسماعيل الشريف

نصطدم بكم هائل من العدوانية والتجريح والكراهية حتى تكاد تصبح هذه المنصات مكانا للذم والقدح””-عبد الله الثاني بن الحسين

في مقالة جلالة الملك الأسبوع الماضي، تطرق جلالته لقضايا مهمة للغاية من ضمنها أن منصات المواقع الاجتماعية قد أصبحت مكانا لنشر الإشاعة واغتيال الشخصية والأخبار الكاذبة.
الناس تحب الأخبار الغريبة والمواضيع المثيرة والنميمة، وهذا من الطبيعة البشرية التي تشترك فيها جميع شعوب العالم كما أشار الملك.
عشرات الفيديوهات والتحليلات والتغريدات والمنشورات التي نتداولها يوميا، وتحظى بنسب مشاهدة وتفاعل كبير، وبعض أصحابها أصبحوا نجوما يتابعهم الملايين ويترقبون منشوراتهم، يقودون الرأي العام من أصقاع الأرض.
للأسف فهذا الإعلام قد أصبح بديلا عن الإعلام الرسمي المترنح! صحيح أنه، على الأقل لغاية الآن، لا يشكل تهديدا للوطن، ولكن استمرار صعوده قد يكون له انعكاسات سلبية على الوطن.
بعض المنشورات صحيحة وبعضها خطأ وكذب وافتراء، تمس الأمن القومي وتهدم مؤسسات وتشكك في رجالات الوطن، وتحبط الشعب وتكرس الفجوة بين الوطن ومواطنيه.
وللأسف فمعظم هذه المواد مسربة إما من قبل موظفين عاملين في الدولة أو موظفين سابقين، بعضها يهدف إلى إحراج المسؤولين أو الانتقام، وبعضها يريد لفت نظر الرأي العام إلى تجاوزات وفساد، مفضلين تجنب المسارات القانونية لتقديمها عبر التسلسل الإداري أو الجهات المسؤولة، إما بسبب خوفهم من النتائج أو لاعتقادهم بأن كل المنظومة فاسدة.
ثم هنالك الذي أسميه التسريب المقصود الذي يقوم به المسؤولون لإلهاء الناس عن قضايا أهم أو لقياس ردة فعل الناس وتحضيرهم لقرارات قادمة.
تاريخيا تعاملت الحكومات برد الفعل مع قضايا الإعلام ودائما ما كان المسؤولون يخشونه ولا يملكون من سلاح سوى لجمه. إبان الأحكام العرفية التي لم تشهد من وسائل الإعلام سوى الصحف والبث الحكومي، كانت السيطرة على ما ينشر في الصحف من خلال رقيب مزروع في الصحيفة يجيز جميع المواد قبل نشرها.
ثم ترك الرقيب الصحف ليصبح سيف الإغلاق مسلطا على الصحافة، وكم من صحيفة أغلقت إغلاقا تاما كصحيفة صوت الشعب. سألت والدي آنذاك لماذا كل هذه المهادنة مع الحكومات، كان جوابه أن إغلاق أية صحيفة يعني قطع أرزاق العاملين وهذه فاتورة أكبر من أن تحتمل.
عبقرية الحكومات أنها حولت الصحافة إلى “أكل عيش”.
ثم ظهرت فورة الصحف الأسبوعية التي رفعت سقف الحرية، فاختنقت سريعا، قانونيا وماليا، ثم ظهرت المواقع الالكترونية فاستعملت الحكومات نفس الأساليب إلى أن دجنت هذه المواقع.
وظهر أخيرا الإعلام العابر للحدود، الإعلام الاجتماعي الذي أصبح فيه كل شخص منصة إعلامية قائمة بذاتها، بعضهم جمهوره أكبر من وسائل الإعلام الرسمي مجتمعة، وما واكب ذلك من فوضى، ولكن لا ننسى أن له الفضل في كشف العديد من القضايا وفشل وفساد وأخطاء المسؤولين، وتحاول الحكومات معالجته بنفس الوصفات السابقة من إقرار قانون الجرائم الالكترونية الذي توسع في تغليظ العقوبات، وملاحقة الأشخاص الذين ترى الحكومة أنهم يشكلون تهديدا لها.
وتزامن ذلك مع الاستعانة بالذباب الالكتروني، الذي يوجَّه لمهاجمة والتشويش على الأعداء، وإطلاق محاضرات لعدد من المسؤولين الذين يطالبون بتحجيم النشر الالكتروني أو حتى اغلاق مواقع التواصل الاجتماعي، وتصدير المشاكل الداخلية للخارج بما في ذلك اتهام العديد من المدونين بانتماءاتهم الخارجية.
برأيي هذه المرة الحكومة ستخسر معركتها، فمن الاستحالة السيطرة على فضاء المعلومات. آن الأوان لتدعم الحكومة الإعلام المحترف الملتزم، فالصحف تعاني وتحتاج إلى دعم مادي واستقلال تعود بموجبهما كمصدر أساسي للمعلومة والتحليل بعيدا عن أهواء أي مسؤول، فالصحف في العالم الحر بدأت بالعودة إلى تسيّد وسائل الإعلام بسبب المهنية العالية والمصداقية وهامش الحرية الكبير وفوضى الإعلام الحديث الذي فقد ثقة الناس به، وليس أدل على ذلك من تغطية صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست لخبر اغتيال الخاشقجي، أو الأخبار والتحليلات حول ترامب التي أعادت الصحف مرة أخرى إلى الواجهة.
برأيي نحتاج إلى إطلاق هيئة مستقلة للإعلام بإدارة وميزانية مستقلتين تتولى مسؤولية بناء إعلام وطني.

خبر عاجل