بقلم النائب طارق خوري

“ذهبت إلى فلسطين لأستنشق هواء المقاومة وأتناول جرعة شجاعة لأقول لأيوب أن لك ثمراً في فلسطين من أحفاد المسيح واتباع محمد” هنا في فلسطين ترى نماذج التضحية والبطولة والفداء ففي كل مدينة وقرية ومخيم وفي كل بيت وشارع شاهد وشهيد وجريح وأسير ومتأهب للمقاومة وحاملاً لروحه على أكفه .

أنا في حيرة من أمري من أين أبدأ وهل أستطيع أن أنتهي ، لعلي سأبدأ بزيارة خنساء فلسطين وما أكثر الخنساوات في صفوف شعبي، الأم الصامدة المرابطة على تخوم الصبر والنصر القابضة على الجمر وما زالت منذ ثلاثين عاماً ، أم ناصر أبوحميد والتي يقبع خمسة من ابناءها المناضلين خلف القضبان آخرهم قبل شهر وأقل حكم عدد لا متناهي من السنوات وعشرات المؤبدات اي ما يزيد عن 2500 عام، وهي قبل ذلك أم لشهيدين أحدهم الأسطورة عبدالمنعم أبو حميد ” صائد الشاباك”.

في فلسطين قصص البطولة في سبيل الوطن كثيرة وهي هاجز الصغير والكبير ، ولعل النصوص والكلمات والأشعار تعجز عن وصف ما نرى، وخير مثال عندما زرت بيت المناضل الأسير مروان البرغوثي والتقيت بالمناضلة زوجته ام القسام وجدت تفاصيل البيت وجدرانه وزواياه تنطق بتاريخ فلسطين ، هذا المناضل الذي وهب عمره وحياته لوطنه وقضيته كأعدل قضية في التاريخ لم يأبه بما ذاقه من شتى صنوف العقاب بدأت بالمطاردة والسجن ومن ثم الإبعاد مروراً بمحاولات الاغتيال الواحدة تلو الأخرى ليستقر الأمر بالسجن المؤبد ورفض قطعي لمجرد أن يطرح أسمه في قوائم تبادل الأسرى .

يحملني بعد ذلك وجعي وألمي إلى الجنوب حيث العنفوان وحيوية الاشتباك اليومي لترى قبة الصخرة واجراس الكنائس من على تخوم مدينة بيت لحم الملاصقة للقدس ، وهنا يستدعيك الواجب الإنساني والوطني المرور بأم ناصر ابو سرور الذي اعتقل عام 1993 عام نكبتنا الجديد عام أوسلو التي لم تُغني ولم تُسمن من جوع لتجد أم ناصر أكثر بأساً وعنفواناً وتنتظر رحيل المُحتل قبل عودة فلذة كبدها من المُعتقل .

أسطورة التمسك بكل ذرة تراب بالأسنان والنواجذ شاهدتها وأنا عائد وتجلت بمشهد لفلاح فلسطيني يحمي سبعة عشر دونم وينام بمغرها ويفضل أن لا يغادرها لا ليلاً ولا نهاراً خوفاً عليها من الابتلاع والمصادرة ، لا أخفيكم ايضاً أنه وأنا تنسمنا هواءً عليلاً يعيد الحياة للروح، ختامها في عاصمة التاريخ والانسانية كان مسك وعنبر عندما التقيت بأحد عناوين القدس واعمدتها، المطران عطاالله حنا الذي جعل الدين منبراً للوطن وكان وما زال وسيبقى أحد حراس المدينة المقدسة وصوت الحق العالي ودرعها الحامي وسيفها البتار، فلم تعد تُفَرّق بين دين وآخر فهم كالبنيان المرصوص .

هي قصص وروايات تتناقل من جيل إلى جيل تراها في كل زاوية وحارة ومخيم وقرية ومدينة؛ هنا البوصلة من كل مكان تشير للقدس فقط ، والميزان من قدم للوطن ، هنا بيوت والمناضلين وأمهاتهم ، هنا فلسطين من رفح حتى الناقورة، هنا فلسطين من النهر إلى البحر سأعود إلى شرق النهر توأم غربه وأنا مُحَمل بهمهما معاً وبهم الأمة ولن أخلد إلى النوم حتى ترى عيني فلسطين محررة من دنس الإحتلال ووطن الأمة ينعم بالوحدة لنسهم بالنهضة شأننا شأن كل الأمم فأُمتنا هي البداية ومهد الحضارات .