الرئيسية / ثقافة وفنون / نهاري داخلي ..غرفة رقم (٢) في فندق متواضع

نهاري داخلي ..غرفة رقم (٢) في فندق متواضع

الحياة نيوز- بقلم دلال فياض : –
هما .. يرقدان على سرير قديم بعد أن أمضيا ثواني من اللاوعي لكليهما
هي .. تغط في سبات عميق و يبدو عليها الإرهاق و الإجهاد
هو .. يغفو و يستيقظ بين حين و آخر و يبدو عليه القلق
هي .. بدأت تتقلب بشكل غريب و متوتر و أصبح صوت نحيبها الذي كان مكتوماً يملأ فراغات الجدران ..
هو (قلقاً) : حبيبتي ، إصحي .. مالِك ؟ شو في ؟
هي (باكيةً) : البِسس ، قطّعوني و مزّعوا جلدي .
هو : أي بسس ؟!
هي : المسلسل اللي ما بيخلص .
هو : أي مسلسل ؟!
هي : مسلسل الأحلام اللي كل يوم بشوف فيه بسة جديدة و بتمزّع جلدي من مكان جديد .
هو : إهدي حبيبتي ، بس شو يعني البسس في الحلم ؟
هي : بنت ، ست ، عجوز .. أنثى .. تهديد .. عشيقة محتملة .
هو : متى رح تتطمني ؟
هي : لما تشملني الرحمة .
هو : أي رحمة ؟!
هي : رحمة الاحتمال اللي بيحجز مكان بين الرقم صفر و الرقم واحد .
هو : ليش إنتي وين ؟
هي : أنا بالزبط عند الرقم اتنين .
هو : شو بيفرق رقم واحد عن اتنين غير بواحد ؟
هي : بيفرق إنه إحنا ما بنعيش إلا حياة واحدة بس ، و ما بنعرف شو القرار الصح و شو القرار الغلط لإنّا ما بنقرر إلا مرة واحدة ، يمكن لو قدرنا نعيش حياة تانية أو تالتة نقدر نقارن لإنّا بنكون قررنا مرة تانية و تالتة .
هو : لا تفكري وجعي على حالي أتقل من وجعي عليكي ، و قلقي ع حالي أكبر من قلقي عليكي ، وجعي حاسس فيه ، و قلقي عايش معاه ، بس الخيال بيوجعني و بيقلقني عليكي أضعاف ، الخيال بيسمّعني صدى الصوت .
هي : أي صوت ؟!
هو : الخوف .
هي .. تنهض من السرير و تبدو منفعلة بشكل غير اعتيادي ..
هي : لو حاسس بتُقُل نزله عن اكتافك و ارتاح ، كون خفيف ، أحسن ما تتحدّاه و تتصارع معاه و تكون إما كسبت أو خسرت ؛ بس لما تكون من جواتك مقرر تروح لأي مكان ، فإنت خفيف أصلاً ، و الصراع كليشيه بيخبّي وراه رغبة في الرحيل .
هو : بس أنا بدي أكون سعيد .
هي : ما في سعادة بدون خفة ، السعادة اللي بتطلبها هي التكرار المجحف لأمور إنت عم بتكمّلها بدوني ، مع غيري ، مع نفسَك ، المهم مش معي .
هو .. يقترب منها و يمسك يدها ..
هو : إهدي حبيبتي .
هي : لازم أهدا قبل ساعة الصفر ، قبل الهاوية اللي بتسَقّط الشمس و بتجيب العتمة ، قبل ما يتسرب الخوف الحقيقي مش الخوف اللي بتحكي عنه ، الخوف من إني أرجع و إنت ترجع ، تنام و أصحى و جواتي ألف سؤال ..
بتعرف شي .. أصلاً الوقت حرام ..
هو : طيب لا تبعدي عني لأني خايف على حواسّك من العطَب ، الحواس اللي صوتي ياما عبّاها حتى ما تسمع ولا تشوف ولا تحس و لا تشم غيري ، حتى لسانك ما ينطق غير اسمي ، حتى ألغي الزمن ..
بتعرفي شي .. ما اوقح الزمن ..
هي : (تضحك بصخب) قصدك ما أوقحنا ، كيف بنقدر نضحك ع تناقض الجسد مع الروح .
ولك بحبك .. بسذاجة بحبك ، بمثالية بحبك ، بكرهي للزمن .. برضه بحبك .
هو : بس ما في شي فصل الجسد عن الروح بيننا .
هي : الحب هو اللي بيخليك تفلت روحك من عنفوان جسدك لتصير حُر ، بس الجنس هو اللي بيحبس روحك جوة جسدك لتصير لعبة بتشتغل على بطارية ، لما تتعطل بتعطي صوت مزعج مش لأنها اتوجعت لأنها بس بدها تصليح ، و لما تخلص البطارية بيخلص معها كل إشي .. ما أسخفنا .
هو : بس كل شي مِنّك كان فيه روح ، إنتي حب و رغبة ، إنتي رغبة في الحب المشترك .
هي : شريكة لحظة ، طيب و الحياة ؟
هو : مش دايماً بتحقق المطلوب .
هي : لأني ما قدرت أشغل حيز في المكان .
هو : لا ، بس شو خلّاكي متأكدة ؟!
هي : البِسس في الحلم كانوا يبلعوني ، كانت واحدة منهم حامل ، و بس وِلدت غرزت مخالبها في عيوني .
هو : بس الحب ، بقصُد حبي إلك بدأ لما سجلتي اسمك في ذاكرتي الشعورية بعبارة : إنتَ مين ؟!
هي : لغاية ما دبحتني و صرت بسأل حالي ، أنا مين ؟!
هو : كل شيء فقط .
هي : بتمنى أكون عقيم حتى ما أكون أم لغيرك .
هو : أوديب ؟!
هي : بس إنت بتعرف .
هو : و هو ما كان يعرف ، و أنا بريء ، حتى و أنا بعرف ، و ما رح أغادر .
هي : و رح تتجرأ ع البصر و النظر ؟
هو : لأنك أمي .
هي : صيغة حلوة و صفة بترضي أنوثتي .
هو : تشربي ..
هي : قهوة .
هو : بس ما معنا قهوة .
هي : بتخيّل إني بشرب قهوة ، متل ما بتخيّل الليل بيرميك بحضني حتى بعد ما تسقط الشمس .
هو : كل حد فينا بيسعى ورا اشي بس هو جاهل فيه تماماً ، لأنه الهدف محجوب بسبب تدني مدى الرؤية الأفقية .
هي : و الخيانة ؟!
هو : نسبية ، طريقة للتخلّص ، مش متل ما علمني أبوي و أستاذ المدرسة إنها من الكبائر .
هي : مش حمل إضافي ؟
هو : كسر للمألوف ، و مهارة في التنسيق بشرط عدم التقصير .
هي : و الهدف هيك بيصير أقرب ؟
هو : هاي منطقة غير محددة الأهداف .
هي : يعني بدك تكون في الجنة ؟
هو : يا ريت ، بس كيف ؟
هي : تبطل إنسان .
هو : و السعادة ؟
هي : مش غصب عن الحزن و الكآبة ، بس بسببهم .
هو : يعني إلا نحزن ؟!
هي : طيب شو رأيك تساعدني .
هو : حاضر ، بس كيف ؟!
هي : بكره حالي بس اغار .
هو : من شو يا مجنونة ؟!
هي : الاحتمال .
هو : قصدك البسس ؟!
هي : كل ما نُفخ فيه الروح .
هو : عشان هيك بدك تكوني أمي ؟
هي : بتطمن من خطر القرب ، و بكون أم واحدة بس ، ما في حد إله أكتر من أم ، حتى ولو شكّوا في نسبُه .
هو : يعني إحنا هيك في أحسن حال ..
هي : لحالي آه ، لحالك آه ، لحالنا .. برضه آه ..
بس بخاف من السقوط ؛ لأنه رح نبقى مضطرين نقاوم فتنة صوت الفراغ و جاذبيته اللي مصرّة تخلينا تحت .
هو : بعمري ما أخلفت معك بموعد .
هي : كان الموعد الأول حصيلة لألف صدفة .. دخلك ما زادت احتمالية و عدد الصُدف من أهمية اللي صار ؟ ولا صارت أغلى و أهم من الروتين اليومي الأخرس ، لا تنكر إنه الصدفة هي الشي الوحيد الناطق بحياتك ، و كونها صارت فأكيد إلها مغزى ، و لو جرّبت تفتح فنجانك عند عرّافة قبل ما تصير الصدفة بألف احتمال كنت ما رح تسمع منها إلا عن هالصدفة و تبقى تفتش عنها طول حياتك ، و لو تحاول تفتح فنجانك هلا حتى بعد ما صارت الصدفة ما رح تحب تعرف إلا عن هالصدفة اللي قلبت كيانك ، لأنه ببساطة كل حياتك اتلخصت بالصّدفة اللي جمعتنا .
هو : ع فكرة إنتي عم تحكي عن اللقاء الأول ، مش عن مواعيدنا .. و بالمناسبة القهوة مش زاكية و أفكارك اعتداء على خصوصيتي .
هي : تسمع موسيقى ؟
هو : الله .. بحب زوقك في الموسيقى .
هي : لأنه الموسيقى قرار خطير موزون ، و نفي لجمل ما ممكن تنقال ، و أصعب من إنها تنقال .
هو .. أخذها بين ذراعيه نحو السرير ليغُطّا في سبات عميق ، بسبب النعاس لا بسبب الرغبة ، و كانت لا تستطيع أن تغفو إلّا بين ذراعيه مهما كانت درجة اضطرابها ، كانت تسمع صوته و هو يحكي لها قصصاً ابتدعها من خياله ، ويضحكها على نفسها و هو يصفها كيف تجلس على الأرض و تدخن السجائر ، و يفرحها لأن جمالها قد كان سحراً و أسر خياله ، بينما هي تحدث نفسها : “أنا لا أريد شيئاً سواك ، لا تتركني ، كن لي ، حقق لي رغبةً و حاجةً حصلت عليها أتفه النساء.”
كلماته و كلماتها تحوّلت في مخيلتها إلى الأحلام الشقية التي تراها في كل يوم حين تغفو و في اللحظة التي يقرر هو أن ينتقيها لها .. كي تغفو .. حتى أصبحت تغفو دون خيار أو قرار ..
#هما ..

خبر عاجل