الرئيسية / مدونة الأردن / الطيار المقاتل موفق السلطي

الطيار المقاتل موفق السلطي

الحياة – محمود كريشان
على جناحَيْنِ: من فُصْحى، ومن دينِ.. أقَمْتَ مَجْدَكَ يا «جَيْشَ الميامينِ».. فباركَ اللهُ في روحٍ تَنامُ عـلى «اقْرأ».. وتَصْحو على أنفاسِ ياسين مع بواكير الخير ومواسم المطر تصادف هذه الايام ذكرى مرور 50 عاماَ على معركة السموع الجوية، حيث نطالع دفاتر النصر والشهادة والبطولة التي طرزها الجيش العربي.. وهو فاتحة أعراس الارض، الذي نلجأ اليه، ونلوذ به، ولا تغيب بقعة دم شهيد من دفاتره المشرقة، ومن دفاتر أطفالنا.. فالشهادة تنبض في الوجدان وتومض في الكتابة عن عطره ومجده وفجره الجميل..فهو الجيش الأردني العظيم الذي قاتل الصهاينة في باب الواد واللطرون والشيخ جراح،وعلى اسوار مدننا الخالدة في فلسطين، عندما مزجت كتائبه وألويته المظفرة الرصاص والصبر والكبرياء… وقسما بجلال الله فان الصباح لا يطيب الا بالجيش، بمواقفه المجبولة بالمجد والكبرياء، ليبقى «الاردن الهاشمي» أمانة وطنية، يحرسها الجيش العربي.. الى آخر الدم والزمان.


في ذكرى استشهاده
يصادف الإثنين المقبل ذكرى استشهاد الملازم اول الطيار المقاتل موفق السلطي وقد ولد الشهيد السلطي في عمان في عام 1939 وكان ترتيبه الثاني من بين ثمانية إخوة، وتلقى تعليمه في مدرسة كلية الحسين الثانوية وعمل مدرسا لمدة عام وبعدها انضم إلى سلاح الجو الملكي الأردني كطيار متدرب وبعد ستة أشهر من التدريب في قاعدة المفرق الجوية أرسل في دورة تدريبية إلى بريطانيا لمدة سنتين عاد بعدها إلى الوطن ليتولى تدريب الطيارين الجدد، وكان متزوجا وله ولد يحمل نفس اسمهتشير المعلومات الى انه وفي صباح يوم 14/11/1966 دوت صفارات الإنذار في قاعدة الحسين الجوية وكان الشهيد في زيارة للقاعدة وانطلق مع زملائه الطيارين لصد العدوان الإسرائيلي على قرية السموع في قضاء الخليل ونجحوا في دحر طائرات العدو وكانت طائرة موفق هي الأخيرة التي تغادر سماء المعركة وباغتته بضع طائرات للعدو الإسرائيلي وأصاب طائرته ونجح بالقفز بالمظلة ولكن طائرات العدو الغادرة وطياريها الجبناء لحقوا به وأطلقوا مدافع طائراتهم الرشاشة عليه وهو قافز بالمظلة واستشهد رحمه الله وسقط بالقرب من الحدود الأردنية والأراضي المحتلة.
أقيمت لموفق السلطي جنازة عسكرية مهيبة من بيته في جبل اللويبدة إلى المقابر الملكية حيث دفن فيها وكان ممن شارك في جنازته أعز أصدقائه وقائد سربه الشهيد الطيار البطل فراس العجلوني الذي أقسم على ضريحه أن ينتقم لهوقال جلالة المغفور له الملك الحسين بن طلال رحمه الله بعد استشهاد الطيار البطل السلطي: «الله لا يحرمنا الشهادة التي أعطاك إياها»، وتكفل رحمه الله بعائلة موفق ودرّس ابنه وإخوانه على حسابه الخاص، وأطلق اسم الشهيد على قاعدة من قواعد سلاح الجو الملكي الأردني في الأزرق.
شاهد عيان يروي تفاصيل خطيرةأحد ابطال المعركة العميد الركن الطيار المقاتل المتقاعد فاروق بشير عابدين استعاد ذاكرة الفروسية ونسور سلاح الجو الملكي عندما لقنوا العدو الصهيوني دروسا كتبوها بالنار والدم لتكون عبرة لاجيالنا في التضحية والفداء في سبيل الوطن والأمة.
ولخص عابدين مراحل المعركة عبر محطات محددة كما يلي: ان موقع المعركة كان أرض وسماء قرية السموع/ الأرض المحتلة/ فلسطين، فيما كانت المعركة بين ثلاث طائرات مقاتلة أردنية قديمة الصنع نوع «هوكر هنتر» وست عشرة طائرة ميراج اسرائيلية حديثة الصنع والتقنية نوع ميراج-3وعن أسباب المعركة يقول عابدين نعلم ان قرية السموع تقع بالقرب من مدينة الخليل في فلسطين المحتلة ويقطنها عدة آلاف من المواطنين الفلسطينيين وبعض المقاتلين الذين كانوا يعرفون في ذلك الوقت بالفدائيين، وقد تسلل المقاتلون إلى داخل الشريط الحدودي وزرعوا عبوات ناسفة ومتفجرات على الطريق الذي تستعمله القوات الإسرائيلية أثناء دورياتها الروتينية وقد انفجرت هذه العبوات فقتل وجرح عدد من أفراد جيش العدو وقامت قيادة القوات البرية والجوية الإسرائلية بإعداد خطة محكمة ودقيقة للانتقام وللقضاء على هؤلاء الفدائيين، وعندما اكتمل التخطيط والإعداد شنت القوات البرية والجوية هجوماً كبيراَ ومفاجئاَ على قرية السموع.
المعركة الجويةوأضاف: في صباح يوم الأحد الباكر الموافق 13 تشرين الثاني 1966 هاجمت القوات المعتدية البرية منها والجوية قرية السموع الصامدة، فدار قتال عنيف واستبسالي ومستميت بين العدد القليل والمحدود من ضباط وأفراد قواتنا المسلحة وأهالي القرية المسلحين والقوات الغازية الإسرائيلية، واستأسد الجند فكان قتالهم بطوليا وفطريا بامتياز، فاستشهد ما يقارب خمسة عشر ضابطاَ وفردا من القوات الأردنية الباسلة في معركة غير متوازنة في العدد والعدة وقتل العديد من القوات الإسرائيلية الغاشمة ومن بينهم ضابط قائد قوات المظليين وقائد العملية العسكرية العقيد «يواف شاهام». لم تعلن اسرائيل كعادتها عن عدد قتلاها، ودمرت القوات الإسرائيلة قبل انسحابها المدرسة والمستوصف الطبي والجامع ومخفر القرية في خضم المعركة الأرضية استنفرت قيادة سلاح الجو الملكي الأردني طياريها المقاتلين من السرب الأول المقاتل في قاعدة الملك حسين الجوية (المفرق) لمساندة قواتنا الأرضية ودحر العدوان، فدوى إنذار الإقلاع الفوري في القاعدة، وتسابق الطيارون المقاتلون إلى طائراتهم بروح معنوية عالية، وفي دقائق معدودة أقلع تشكيلان يتكونان من أربع طائرات مقاتلة، قاد التشكيل الأول الملازم الأول الطيار موفق السلطي والطيار المساند له الملازم الأول الطيار إحسان حميد شردم، وأعطي اسم «التشكيل الأحمر» لسهولة التعريف والمخاطبة، وقاد التشكيل الثاني «التشكيل الأزرق» الملازم الأول الطيار جاسر زيَاد والطيار المساند له الملازم الطيار فاروق عابدين.
أقلع التشكيلان بفارق زمني بسيط واتجه الصقور إلى سماء المعركة على ارتفاع منخفض بقدر 50 قدما (15 متراَ) فوق سطح الأرض وبسرعة (600) عقدة جوية (1110) كيلو متر/ الساعة، وفي الطريق إلى المعركة تم فحص أجهزة التسديد وكاميرات التصوير وحولت مفاتيح سيطرة المدافع في الطائرات من مدفعين الى أربعة لتأكيد كثافة النيران.
قائد التشكيل الأحمر
يقول عابدين «قام الرادار الأرضي الأردني بتوجيه الجميع لمكان تواجد الطائرات الإسرائيلية بالرغم من عدم كشفه لطائراتنا لقلة ارتفاعنا تخوفا من كشفنا من قبل الرادارات والطائرات المعادية ولنشكل مفاجأة للطائرات الإسرائيلية قبل الاشتباك، وتحقق الهدف، كنا نمرر مواقعنا إلى الرادار الأردني بكلمات مقتضبة ومحدودة، وبدوره كان الرادار الأردني يمرر لنا كامل المعلومات عن عدد الطائرات الإسرائلية ومواقعها فكانت كثيرة ومبعثرة.
تسلق التشكيل الأول مرتفعا في سماء المعركة واشتبك فورا مع أربع طائرات معادية، وبعدها بدقيقتين ارتفع تشكيلنا الأزرق ولحق بأربع طائرات معادية أخرى أقل ارتفاعاً منا وعلى بعد (2 – 2.5) ميل جوي تقريباَ، ليكون في سماء المعركة ثلاثة طيارين أردنيين يقاتلون باستبسال وبروح قتالية عالية وتصميم بطولي، حيث كان قائد التشكيل الأحمرالملازم الأول الطيار موفق السلطي يقاتل أربع طائرات اسرائيلية وحيدا دون حماية جوية، وثبت أيضاً كامل التشكيل «الأزرق» الملازم الأول الطيار جاسر زياد والطيار المساند له الملازم الطيار فاروق عابدين وللأسف لم تكن هناك رؤية متبادلة بيننا وبين الطيار السلطي للعمل على تغطيته فبقي وحيداً ودون حماية.
نبأ الشهادة العظيم
وحول استشهاد الملازم الأول الطيار موفق السلطي، يقول العميد المتقاعد عابدين: حقيقة يجب أن تؤرخ، بأن موفق لم يستشهد في سماء المعركة ولم تستطع أي من الطائرات الإسرائيلية إسقاط أي من طائراتنا في سماء المعركة بالرغم من تفوقها الشامل علينا، ويدل ذلك دلالة واضحة لا شائبة فيها بأن مستوى الطيارين الأردنيين تفوق بجدارة على الطيارين الإسرائيليين في هذه المعركة، وهذا فخر ناصع لقواتنا المسلحة ولطيارينا المقاتلين..
استشهد البطل موفق السلطي اثناء عملية الانسحاب شمال غرب البحر الميت بعد ان تم متابعته من قبل طائرة اسرائيلية اثناء عملية الانسحاب، للأسف المؤلم، لم يشعر موفق بأن طائرة اسرائيلية كانت تتابعه من الخلف نظراً لعدم وجود غطاء جوي يحميهويضيف: أطلق الطيار الاسرائيلي حوالي ثلاث صليات على طائرة موفق ولم يستطع إصابتها لارتفاعه المنخفض جداً ولكنها أصيبت بمدافع الطائرة الإسرائيلية عندما تسلق الشهيد فوق تلة صغيرة كانت أمامه فأصبحت طائرة موفق هدفا يسهل إصابته، فأصيب في الجناح الأيسر، وانحرفت طائرة الشهيد الى اليسار وبشكل أفقي، فقذف موفق من الطائرة ولم يكتمل انفتاح المظلة نظراً لوضع الطائرة الأفقي ولقلة ارتفاعه.
العدو يعترف
بعد مرور ثلاثة عقود اعترفت اسرائيل بسقوط طائرتين مقاتلتين لها في معركة السَموع. أسقطت الأولى في أرض المعركة أما الأخرى فكانت مصابة إصابة شديدة اثناء اشتباكها، فعادت لقاعدتها ولم يتمكن قائدها من السيطرة عليها فعمل على القذف منها وتحطمت الطائرة بالقرب من قاعدتها الجويةوبالعودة إلى نداء الشهيد موفق السلطي أثناء انسحابه بأنه أطلق النار على طائرة اسرائيلية يتبين هنا بأنها من نصيبه قبل استشهاده، رحمه الله، أما الطياران الإسرائيليان اللذان أسقطا في هذه المعركة فهما: جيورا أورين وجيدون أرور.
هكذا بدأت وانتهت معركة السموع الجوية بعز وكرامة وكبرياء. وندعو الله أن يحمي الأردن من كل عدوان، ويحفظ برعايته الربانية جلالة القائد الاعلى لقواتنا المسلحة الملك عبدالله الثاني وعاش بواسل القوات المسلحة وصقوره الميامين حامين أرضه وسماءه، ورحم الله شهداء وطننا العزيز وأسكنهم جميعاً فسيح جنانه وهو القائل في كتابه المبين «والآخرة خير وأبقى» صدق الله العظيم.

خبر عاجل